الشنقيطي
39
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
به الزكاة . فالأمر واضح ، والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ [ 7 ] الآية . لا يخفى أن الواو في قوله : وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ محتملة في الحرفين أن تكون عاطفة على ما قبلها ، وأن تكون استئنافية . ولم يبين ذلك هنا ، ولكن بين في موضع آخر أن قوله : وَعَلى سَمْعِهِمْ معطوف على قوله : عَلى قُلُوبِهِمْ وأن قوله : وَعَلى أَبْصارِهِمْ استئناف ، والجار والمجرور خبر المبتدأ الذي هو غِشاوَةٌ وسوغ الابتداء بالنكرة فيه اعتمادها على الجار والمجرور قبلها . ولذلك يجب تقديم هذا الخبر ، لأنه هو الذي سوّغ الابتداء بالمبتدأ كما عقده في الخلاصة بقوله : ونحو عندي درهم ولي وطر * ملتزم فيه تقدّم الخبر فتحصل أن الختم على القلوب والأسماع ، وأن الغشاوة على الأبصار ، وذلك في قوله تعالى : أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً [ الجاثية : 23 ] . والختم : الاستيثاق من الشيء حتى لا يخرج منه داخل فيه ولا يدخل فيه خارج عنه ، والغشاوة : الغطاء على العين يمنعها من الرؤية ، ومنه قول الحارث بن خالد بن العاص : هويتك إذ عيني عليها غشاوة * فلما انجلت قطّعت نفسي ألومها وعلى قراءة من نصب « غشاوة » فهي منصوبة بفعل محذوف أي وجعل على أبصارهم غشاوة كما في سورة الجاثية ، وهو كقوله : علفتها تبنا وماءا باردا * حتى شتت همالة عيناها وقول الآخر : ورأيت زوجك في الوغى * متقلّدا سيفا ورمحا وقول الآخر : إذا ما الغانيات برزن يوما * وزججن الحواجب والعيونا كما هو معروف في النحو . وأجاز بعضهم كونه معطوفا على محل المجرور ، فإن قيل : قد يكون الطبع على الأبصار أيضا ، كما في قوله تعالى في سورة النحل : أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ [ النحل : 108 ] الآية . فالجواب : أن الطبع على الأبصار المذكور في آية النحل : هو الغشاوة المذكورة في سورة البقرة والجاثية ، والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ( 8 ) [ 8 ] .